عجوة المدينة.. غذاء وشفاء ووفاء

تأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ، وَلَا سِحْرٌ))[رواه البخاري]، فرأيت فيه حِكمًا عظيمة وفوائد كثيرة، فهي ثمرة من ثمار الجنة، يدل على ذلك ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( العجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم...)) [أخرجه الترمذي]، ومنها:

1- أنَّ تناول سبع تمرات فيه جانب إيماني؛ لأنَّ تنفيذ هذا التوجيه النبوي، هو تصديقٌ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وتحديد العدد هنا كتحديد أوقات الصلوات، قال النووي: "في هذه الأحاديث فضيلة تمر المدينة وعجوتها، وفضيلة التصبُّح بسبع تمرات منه، وتخصيص عجوة المدينة دون غيرها، وعدد السبع من الأمور التي علمها الشارع ولا نعلم نحن حكمتَها، فيجب الإيمان بها، واعتقاد فضلها، والحكمة فيها، وهذا كأعداد الصلوات، ونُصُب الزكاة وغيرها".

2- فيه جانبٌ صحي، وقد أثبتَت الدراسات المختبرية الطبية ما جاء في هذا التوجيه النبوي، والعلمُ يتوافق مع الإيمان في كلِّ أحكام الشرع الحنيف، وهو مليِّن طبيعي ممتاز، يمنع الإمساكَ، ويقوِّي العضلات، ويعالج فقرَ الدم، ويقوي السمعَ والبصر، ويهدئ الأعصاب، والتمر يحتوي على كمية عالية من الألياف الغذائية، والمعادن الضرورية لصحة الجسم؛ مثل: البوتاسيوم والمغنيسيوم، وتعادل ثلاث حبات تمر حصةَ فاكهة واحدة.

3- فيه جانب اجتماعي: وبيان ذلك أنَّ أهل المدينة المنورة قد أكرموا النبيَّ صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إليهم، ومدينتهم قد اشتهرت بزراعة النخيل، فأراد أن يكافئهم على إكرامهم بأحب ما يملكون؛ فأرشد كلَّ مسلم أن يتناول سبع تمرات من عجوتهم أو تمرهم، وهذا غاية الإكرام لهم، وقلت: أو تمرهم؛ لأنَّه قد جاء في بعض روايات الحديث: ((من أكل سبع تمرات ممَّا بين لابتيها حين يصبح، لم يضره سمٌّ حتى يمسي))، كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء.

4- وفيه ملمح اقتصادي، يستفاد من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأكل سبع تمرات من تمر المدينة صباح كلِّ يوم، وفي ذلك توجيهٌ للشراء منها؛ لأن تمرها له خواصُّ مميزة عن باقي أنواع التمور، وهو مبارك بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أرض مباركة، يدل على ذلك ما جاء عن أبي هريرة، أنه قال: كان الناسُ إذا رأَوا أوَّل الثمر جاؤوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَمِثْلِهِ مَعَهُ))، وفي رواية: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنْ الْبَرَكَةِ))، وزاد في التمر أنه شفاء من السموم والسحر.

وهذا نوع من أنواع التكريم لأهل المدينة في زيادة أرزاقهم.

5- تميزَت مكة بماء زمزم، قال عليه الصلاة والسلام: (( إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، وَهِيَ طَعَامُ طُعْمٍ، وَشِفَاءُ سُقْمٍ))، وهي ضيافة الحرم لكلِّ قاصدي البيت العتيق زاده الله شرفًا.

وتميزَت المدينة بالنخيل، فالتمر فيه شفاءٌ من السموم والسحر، وإذا كانت زمزم ضيافة الحرم المكي، فالتمر - ولا سيما العجوة - ضيافة الحرم المدني.

6- وفيه ملمحٌ من ملامح النظام الغذائي، فقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم لأمته أن يبدؤوا غذاءَهم عند الفطور في أول النهار بالتمر، كما أرشد الصائمين أن يبدؤوا فطورَهم بعد المغرب بالتمر.


فصلَّى الله عليك يا رسول الله، ما أشد وفاءك، وما أرحمك بأمتك!